الدكتور احمد سرحان Dr-Ahmed Sarhan

دنيا الثقافة وعالم الابداع


    تواري الثقافة القرآنية.. الأسباب والحلول

    شاطر

    تواري الثقافة القرآنية.. الأسباب والحلول

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة مارس 20, 2009 1:03 pm

    الموقعية التي يحتلها القرآن في حياتنا الثقافية بصفته مرجعية فكرية، فهل القرآن هو المرجعية الأم لثقافتنا وإبداعاتنا المعرفية، وما هي حدود العلاقة بين هذه المرجعية وبين الفكر الإنساني.وهل لنا أن نقول بأن السبب في ما يلحظ في الساحة من فوضى على المستوى الثقافي، يعود إلى تواري الثقافة القرآنية بما تحمل من أصول وثوابت فكرية، وبالتالي فلا يمكن تجاوز تلك الفوضى إلا من خلال العودة إلى أصول الثقافة القرآنية، أو التقدم نحويمثل القرآن الكريم المرجعية الأم والكبرى للثقافة الإسلامية والفيصل الأعظم لحسم الإشكالات الثقافية والمعرفية في حياة المسلمين، وأن غياب الثقافة القرآنية أو تغييبها يشكل انتكاسة كبرى في عملية الإصلاح المجتمعي والمعرفي؛ لأن ذلك يعني غياب القانون والسنة الإلهية والبصائر الربانية عن واقع الحياة، ولا يصلح الحياة برمتها إلا خالقها العالم بحاجات البشر وما يصلح أمورهم وشؤونهم، وما نلاحظه من فوضى معرفية وما يتصل بذلك بحركة إصلاح الحياة وتبني المواقف والمواقف المضادة إلا دليل بسيط على غياب الرؤية القرآنية والتي لو لم توحد أو تقرب بين المواقف والرؤى، لأدى ذلك إلى مزيد من التشتت والتنافر في الأفكار والمواقف، وهناك أمثلة معاصرة في هذا الشأن تبين كم هي الآراء والمواقف متباعدة، فقضية الجهاد والعلاقة بالآخر وقضايا المرأة الحرجة، كلها مسائل تشكك فيما إذا كان للمسلمين مرجعية ثقافية أم لا بسبب المواقف المضادة بشكل كبير
    ويمكن تحليل أسباب تواري الثقافة القرآنية، في أمور:

    أولاً: الاغتراب الفكري والثقافي: فقد أسهم -الاغتراب- بشكل كبير في بسط الذوق الفكري والثقافي للنظريات المعرفية والثقافية السائدة للحضارة الغربية الغالبة في هذا المجال، ويرجع ذلك إلى: الجهل بأصول الثقافة القرآنية وعدم معرفة مبادئها، والتأثر ببعض الأصول المعرفية للثقافة الغربية، خصوصاً الفلسفات المختلفة.

    ثانياً: ندرة الدراسات الإسلامية الجادة التي تعالج المشكلات المعاصرة في الفكر والثقافة من منظور قرآني، حيث اتجهت تلك الدراسات على ندرتها إلى الغوص والتركيز على دراسات لغوية وبلاغية فحسب.

    ثالثاً: الانشغال عن البحث القرآني واستنباط الرؤى والبصائر من القرآن الكريم، وتركيز الاهتمام على الدراسات الفقهية والأصولية والفلسفية على حساب الاهتمامات الكبرى، التي تبحث في البناء السلوكي والتربوي والمعرفي، الهادف إلى تعمير الكون وتوظيف تلك الأفكار البنّاءة الهائلة التي تعمق حضور الرؤية القرآنية.

    رابعاً: تراجع الحركة التجديدية الإصلاحية التي تدعو إلى مزيد من الاهتمام بالقرآن الكريم والعناية به، وببحوثه المعاصرة في الحوزات العلمية، والاهتمام بالمجالات الفنية فحسب -وإن كانت مهمة- كالتلاوة والتجويد وإقامة المسابقات القرآنية، على حساب الكثير من القضايا التي تتطلب رؤية قرآنية، خصوصاً فيما يتصل بالمسائل الكثيرة الحرجة التي تواجهها الأمة الإسلامية في شتى المجالات.

    خامساً: ما نعبر عنه بالمشكلة المنهجية، ونقصد بذلك غياب الضوابط والمعايير في استنباط الثقافة من مرجعيتها نتيجة لانعدام تلك المعايير، فبينما يحظى الاستنباط الفقهي بمنظومة معرفية مترابطة، نفتقد هذه المنظومة في الموضع الثقافي والمعرفي فيما يتصل باستنباط الرؤى والأفكار من القرآن الكريمسادساً: لا زال فكر الجمود المتمثل في الجمود على حرفية القرآن الكريم وتجميد العقل والتشكيك في مناهج التدبر والبحث في المعاني الكلية والآفاق الرحبة للحقائق القرآنية يحظى بتقديس لدى بعض النخب العلمية، مما يعطي شرعية لهذا المنهج ويهمش فكر التنور القرآني ويحد من تطلعاته، ويشكل حاجزاً سميكاً في الانتقال إلى مراحل بحثية متقدمة ومتطورة.
    لو تأملنا في أسباب التواري عن القرآن لوجدنا أن هناك أسباباً داخلية وأخرى خارجية، فالأسباب الداخلية يمكن إيجازها في ثلاثة:

    أولاً: الهزيمة النفسية: التي ولّدت حالة الشك في كل الأصول والثوابت والمرتكزات، وانعكست على جوانب الحياة المختلفة، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، ودفعت نحو الانبهار بالآخر ومحاولة محاكاته في كل شيء حتى على مستوى الحياة الشخصية.

    ثانياً: التعامل القشري والسطحي مع القرآن، فلم يُعط القرآن الأولوية والمكانة المناسبة له، وإنما حُجِّم دوره في مراسيم الافتتاح وفي الجنائز ودفن الموتى أو في الوصفات العلاجية وغيرها
    ثالثاً: الشبهات الفكرية: وهي إما وافدة ومستقاة من الخارج أو أنها داخلية، وفي كلتا الحالتين فهي تنم عن عدم معرفة حقيقية بمراد النص القرآني، أو عن عدم التمييز بين ما أراده القرآن والتطبيقات الخارجية الخاطئة التي أوحت تفسيراً خاطئاً للقرآن جعلته محلاً للشك، ولعله ما عبر عنه الشيخ العليوات -في ورقته- بالاغتراب الفكري
    في هذه الفترة وفي بعض الأوساط -على سبيل المثال- تنتشر ثقافة تحث على الاستعانة بالسحر والشعوذة والتنجيم، وما إلى ذلك، لتجاوز المشاكل، ولاشك أن لهذا الشيء دلالة تتصل اتصالاً عميقاً بما نحن فيه، باعتبار أن القرآن الكريم أشكل على هذا المنهج.

    فقد قال تعالى في قصة بني إسرائيل: ﴿وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، هذه صارت حالة نبذ للفكر الديني الفكر القرآني الفكر الرسالي، مقابلها ماذا؟ طبيعي مقابلها ﴿وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ﴾، اتجهوا نحو ثقافة السحر وما يرتبط بها من أفكار، وبالتالي مع أن الآية المباركة فيها بحوث غير مرتبطة بمبحثنا، إلاّ أن النتيجة التي أريد أن أصل إليها ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾، هذا كمصداق لمعالجات اجتماعية بعيدة عن روح القرآن، وهذا من دلائل وظواهر الابتعاد عن القرآن الحكيم.

    ولحل هذه المشكلة :-
    لأمر الأول: الدعوة الدائمة والحثيثة لتعلم لغة القرآن، وهي اللغة العربية. فما لم نقوِ من العلاقة بين الأجيال الشابة ولغتهم الأم التي نطق بها القرآن الكريم، فسوف تبقى المسافة الفاصلة بينهم وبين فهم القرآن طويلة جداً، فالقرآن عندما تحدّث عن التدبر في آياته، قال في البداية: (قرآن عربي)، وبعد ذلك أشار لقضية التدبر والفهم والتأمل في الآيات، ولذلك فما لم يصل الناس إلى مستوى معين من
    فهم اللغة، سيكون من الصعوبة عليهم أن ينتقلوا إلى فهم القرآن وإدراك معانيه العظيمة، وبالتالي الارتباط به.

    الأمر الثاني: صناعة المناخ القرآني، وهو ما يعبِّر عنه القرآن بـ(البلد الطيب)، كما في قوله تعالى:﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾، وهذا المناخ القرآني ربما يكون في البيت، أو في المدرسة، أو في المسجد، وفي النشرات والندوات، فهي بأجمعها مناخ يسهم في ارتباط الناس بالقرآن الحكيم، وإذا ما هيّأ مثل هذا المناخ فإنه سيسهل من ارتباط الناس بالقرآن الحكيم.
    لأمر الثالث: ينبغي أن يكون المنهج التعليمي أكثر شمولية مما هو عليه الآن، فهو في المناهج الدراسية المتداولة مجرد حصة وفي مقابله حصص، وذلك قد يشعر الطالب بأن القرآن لا علاقة له بسائر المواد الأخرى، بينما في الحقيقة القرآن له علاقة بجميع المواد وعلى رأسها العلوم الإنسانية، وإذا ما كان القرآن مجرد حصة، فلن ينمو عند الطالب المسلم أن القرآن رؤية وبصيرة يحتاج إليها في كل ما له علاقة بالحياة.

    ومن المناسب التأكيد في هذا السياق، بأن المتابع لأساليب العرض القرآني يلاحظ أن القرآن في الكثير من الأحيان عندما يذكر حقيقة من الحقائق، فإنه بإزائها يؤكد على المنهج الموصل لتلك الحقيقة، وبالتالي فالطالب عندما تعلمه بأن القرآن حصة، لن تنمو عنده هذه الملاحظة.

    الأمر الرابع: تنمية عقلية التأمل والتدبر في القرآن الحكيم، فالعناية بالتجويد والتلاوة مقبولة في مجتمعاتنا، لكن عقلية التأمل مفقودة، ولا يفوتني أن أؤكد هنا بأن من بركات المدرسة التي انتمينا إليها (حوزة القائم)، أنها نمت في عقولنا قدرة التأمل والتدبر في القرآن الحكيم، ولذلك فإننا نحتاج واقعاً لدراسة هذه التجربة بشكل دقيق والتفكير في كيفية تطويرها وتعميمها على المستوى الاجتماعي.

    الأمر الخامس: الاستفادة من أسلوب القرآن الحكيم في تقريب الناس للقرآن، فأهم أسلوب استخدمه القرآن هو أسلوب القصص، لدرجة قد لا تخلو سورة قرآنية من القصص، ولذلك فنحن إذا أردنا أن نوصل الفكر القرآني بالذات إلى الأجيال الشابة، فينبغي أن نستعين بمثل هذه الأساليب، وذلك بتحويل الأفكار القرآنية لمادة قصصي

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 1:48 pm