الدكتور احمد سرحان Dr-Ahmed Sarhan

دنيا الثقافة وعالم الابداع


    تأملات قرآنية فى المنهج - توثيق السنه ضرورة إسلامية

    شاطر

    تأملات قرآنية فى المنهج - توثيق السنه ضرورة إسلامية

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة مارس 20, 2009 1:34 pm

    توثيق السنّة ضرورة إسلامية:
    وإننا في تركيزنا على هذا المنهج في فهم النص القرآني، لا نريد إغفال السنّة التي هي المصدر الثاني المعصوم في وعي الحقيقة الإسلامية، لأنها صادرة عن النبي الذي {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى}[النجم/3ـ4] ولأن الله خاطب عباده في كتابه بقوله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر/7].

    ولكن المشكلة في السنّة هي مشكلة توثيقها من حيث إثبات صدور الحديث عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدم صدوره، لا سيما إذا عرفنا أن السنّة لم تدوّن في عهد النبي وعهد الصحابة، بل كانت مخزنة في صدور الرواة الذين قد يكونون ـ مع امتداد الزمن ـ عرضةً للخطأ والنسيان، بالإضافة إلى التعقيدات الواقعية في المجتمع الإسلامي التي دفعت بالوضع والدسّ في الأحاديث إلى الواجهة، كما نجده في الإسرائيليات وفي الأحاديث المتضمنة للكثير من المفاهيم التي كانت حاجة لبعض الأوضاع السياسية المتحددة في الواقع الإسلامي في تقويم هذا الشخص أو ذاك بشكل إيجابي أو سلبي، ليكون ذلك حجة في ساحة الصراع، الأمر الذي جعل مسألة الاستيثاق مسألة صعبة، ولهذا بذل العلماء جهداً كبيراً في عملية التوثيق للسنة من خلال التدقيق في أحوال الروايات، ومضمون الرواية بحيث تحوّل ذلك إلى علوم جديدة مثل علم الرجال)) و((علم الدراية)) و ((علم الحديث)).

    ولكن هذه الجهود لم تصل إلى نتيجة حاسمةٍ لا تقبل الجدل، فما زال النقاش دائراً بين العلماء في وثاقة هذا الراوي أو ذاك، أو في انسجام هذا المضمون الحديثي مع العقل أو القرآن وعدم انسجامه، حتى أن البعض من علماء الحديث لا يجد وثاقة حاسمة في الأحاديث الواردة في الصحاح المتعددة التي اشتهر الحكم بصحتها، حتى اعتبرها البعض ((ثاني كتاب الله))، بحيث لم يناقش أحد في صحة أي حديث يرويه البخاري أو مسلم أو غيرهما، انطلاقاً من الثقة بتصحيح مؤلف هذا الصحيح أو ذاك،

    وقد بدأ الجدل الحادّ يفرض نفسه على هذه المداخلة الجديدة التي قد تكون مفيدة للفكر الإسلامي، لأن الالتزام الحاسم بصحة كل الأحاديث الواردة في الصحاح من دون مناقشة قد يفرض علينا بعض المفاهيم التي قد تختلف مع القرآن أو مع الحقيقة العلمية الحاسمة مما لا يمكن نسبته إلى النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

    ويؤكد هؤلاء بأن وثاقة المؤلف وتدقيقه لا يصل بالقضية إلى مستوى البديهية، بل يصل إلى الوثاقة الشخصية، بمعنى أن المؤلف انطلق من حجة معذرة له أمام الله، ولكن يمكن لغيره أن يكون له رأي آخر في هذا الراوي أو هذا الحديث، وقد يجد بعض المتحمسين أن هذا الرأي يسيء إلى الإسلام لأنه يصادر الكثير من الأحاديث المأثورة المتضمنة للمفاهيم الإسلامية في شؤون العقيدة والشريعة والحياة، ويؤدي إلى التشكيك في السنّة، فلا يبقى منها إلا الشيء القليل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع

    ولكننا نتصور أن القضية ليست بهذا المستوى من السلبية، لأن المسألة المطروحة ترتكز على إبقاء الاجتهاد مفتوحاً في توثيق الأحاديث في الصحاح وغيرها، لا في إلغاء الأحاديث كلها، وربما يؤدي ذلك إلى نفس النتيجة التي يلتزمها الصحاحيون أو إلى ما يقرب منها.

    إن القضية التي تفرض نفسها علينا، هي تأصيل المفاهيم الإسلامية من خلال توثيق مصادرها، حتى لا يكون تقديس الرجال على حساب قداسة المضمون الفكري الإسلامي، الذي قد لا يكون قريباً إلى الصواب إذا صادف أن الراوي للحديث لم يكن في مستوى المسؤولية، وقد رأينا _ في تاريخ الحديث ـ أن بعض الناس الذين يحملون أفكار الغلوّ والزندقة، كانوا يلجأون إلى استعارة كتب الرواة الموثوقين، فيدسون فيها الأحاديث الملائمة لأفكارهم، ويتقنون تقليد الخط بحيث لا يلتفت إليها حتى الراوي نفسه الذي يسلّم كتابه إلى الرواة عنه ليكتبوها باعتبار أنها رواية الثقة،

    فقد جاء في بعض أحاديث الإمام الصادق(ع) عن شخص يدعى أبا الخطاب محمد بن مقلاص، أنه كان يدس الأحاديث في كتب أصحاب الإمام محمد الباقر، فيدخل فيها أحاديث الكفر والغلوّ والزندقة، وهذا ما جعل الرواة يعرضون الأحاديث الموجودة لديهم على الأئمة المتأخرين كالإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام كما كانوا يرفضون كتاب الحديث وروايته من الكتاب، بل يطلبون من الراوي أن يحدثهم به شفاهاً، لاحتمال الدس في كتابه.

    إن السنّة هي مصدر أساس في الإسلام، ولكن توثيقها لا بد أن يخضع لمحاكمة دقيقة، لا سيما إذا كانت تتضمن تفسيراً لكتاب الله بما يخرجه عن ظاهره أو يفيض في تفاصيله فيبتعد بالمضمون عن مساره الفكري الحقيقي، الأمر الذي يبدل صورة القرآن في الوجدان، ويحوله إلى كتاب يتلاعب به أصحاب العقائد والأهواء من خلال الأحاديث التي تكتسي قداسة من ورائها، فيفرضون على الإسلام مفاهيم منحرفة، وعقائد ضالة، وآراء خاطئة قد تطال العمق للفكر الإسلامي، لأنهم كانوا إذا لم ينجحوا في تأويلهم الاجتهادي للقرآن، يجدون سبيل النجاح الأفضل في تحويل أفكارهم وعقائدهم إلى أحاديث شريفة يضعونها تبعاً لأهوائهم أو أهواء النافذين في هذه المرحلة أو تلك.
    بين الكتاب والسنّة

    وهذا هو الذي نلتقي به في الكثير من أحاديث التأويل والتفسير الباطني الذي يفسر الكلمة يغير معناها من دون دليل من العقل أو النقل، بحيث يحوّلون القرآن إلى كتاب رمزي لا يراد منه ظاهره، لأن ألفاظه تتحول إلى مصطلحات خاصة ذات رموز معينة لا يعلم تاويلها إلا الله والراسخون في العلم، كما يفسرون هذه الفقرة من الآية.

    وقد أساء هذا الاتجاه إلى العقيدة الإسلامية والمفاهيم القرآنية، ما أدّى إلى تجميد القرآن في أشخاص معينين ودوائر محدودة، مع عدم السماح بأية مناقشة فكرية أو حديثية أو قرآنية، لأن قداسة الأفكار الشائعة من خلال الأحاديث تمنع العلماء من مناقشتها، فإذا تجرأوا عل مناقشتها وإثارة علامات الاستفهام حولها، فإن الاتهامات بالانحراف عن المذهب والخروج عن الدين، والاستغراق في التفكير المادي، هي الرد الذي يوجه لهؤلاء العلماء في أسلوب غوغائي لا يلتقي بالحق من قريب أو بعيد.

    وقد درج بعض المفسرين على إخضاع الآية في مضمونها للأحاديث الواردة في موضوعها من دون تأكيد على صحة الأحاديث من حيث السند أو من حيث المتن، الأمر الذي أدى إلى اختلال الظهور البارز في الآية بشكل واضح.

    إننا لا نمانع في قبول القاعدة المنهجية، وهي أن الكتاب قد يخصص بالسنة المتواترة القطعية أو بالسنّة الظنية الثابتة بخبر الثقة، وقد يحمل على خلاف ظاهره كذلك، ولكن مع إثارة القرينة التي تؤكد إرادة المعنى غير الظاهر، لأن فقدانها يبتعد بالطريقة التعبيرية عن الانسجام مع القواعد البلاغية الثابتة لدى أهل اللغة، فإنهم يرون أن إرادة خلاف الظاهر لا بد أن يخضع في دلالة اللفظ إلى قرينة عقلية أو لفظية مقارنة له أو قريبة إلى جوّه تصرف اللفظ عن ظاهره، فلا موقع للحالة الخالية من الدليل المضادّ لإرادة الظاهر.

    ولعل الانطلاق من هذا المنهج في المسألة التفسيرية يؤدي إلى التخلص من الكثير من الأحاديث المفسرة للآية من دون دليل على التفسير ، من اللفظ أو من السياق أو من الجو المحيط به.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 15, 2017 10:12 pm