الدكتور احمد سرحان Dr-Ahmed Sarhan

دنيا الثقافة وعالم الابداع


    عذاب القبر بين الحق والباطل

    شاطر

    عذاب القبر بين الحق والباطل

    مُساهمة من طرف Admin في الخميس يوليو 31, 2014 11:30 pm

    مازلنا نعيش فى العصر الحجرى وفى نفس الوقت الذى يستعد فيه العالم للارتياد القرن الحادى والعشرين بمزيد من التقدم فى العلوم تقدماً يقترب من الخيال، يحصر المسلمون اهتماماتهم حول قضايا ترجع إلى خرافات تنتمى إلى القرن الحادى والعشرين قبل الميلاد. من نوع عذاب القبر والثعبان الأقرع التى اخترعها أجدادنا المصريون القدماء ثم عادت إلينا منسوبة زوراً إلى النبى ، ونحن مشغوفون بهذه الخرافة ونعتبرها من المعلوم من الدين بالضرورة من أنكرها يكون كافراً.
    وهكذا ينفصل المسلمون عن عصرهم بأكثر من أربع آلاف سنة مع أن الإسلام حين نزل فى القرن السابع الميلادى وقف موقفاً حازماً من الأساطير والخرافات ووضع منهجاً علمياً تجريبياً فى القرآن للبحث والاكتشاف.. لكن الأسلاف ركنوا إلى الخرافة وأهملوا ما جاء فى القرآن الكريم من منهج علمى تجريبى.. وعندما بدأت الصحوة فى العصر الحديث فوجئنا بخرافات العصور الوسطى التى يرفضها القرآن الكريم وقد عادت إلى الظهور والتأثير على عقول الشباب المتدينين ليزدادوا تخلفاً باسم الإسلام وهو دين العلم ودين التعقل والتبصر.
    العقائد التى لا وجود لها فى القرآن يحاول أصحابها إيجاد سند شرعى لها بتأويل الآيات وتأليف الأحاديث ونسبتها للرسول عليه الصلاة والسلام. ذلك ما ينطبق على موضوع عذاب القبر ونعيمه والثعبان الأقرع أو الشجاع الأقرع..
    وإذا ما حاول باحث مخلص لدينه حريص على تبرئة النبى عليه الصلاة والسلام مما ينسب إليه من أكاذيب- إذا ما حاول الاحتكام إلى القرآن الكريم فى توضيح تلك القضايا تناولته الاتهامات من كل جانب وأسهلها أنه منكر لسنة النبى عليه السلام.
    واقرأ قوله تعالى عن مشاهد يوم القيامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَىَ يَدَيْهِ يَقُولُ يَلَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلاً. يَوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً. لّقَدْ أَضَلّنِي عَنِ الذّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً. وَقَالَ الرّسُولُ يَرَبّ إِنّ قَوْمِي اتّخَذُواْ هَـَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً. وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّاً مّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَىَ بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ (الفرقان 27: 31).
    إن هجر القرآن وعدم الاعتداد به هو عداء لله تعالى ورسوله، وهو خصومة للرسول تجعله يعلن براءته ممن يصمم على نسبة أقوال الزور إليه وهى تخالف القرآن الحكيم، علاوة على أنه عليه الصلاة والسلام لم يقلها ولم يعرفها، بل إنه- كما هو معروف- نهى عن تدوين غير القرآن، وأمر بمحو أى كلام له : "لا تكتبوا عنى غير القرآن، ومن كتب غير القرآن فليمحه" . وعلى ذلك سار الصحابة، ما كان معهم كتاب غير القرآن وأول خطبة لعمر بن عبد العزيز قال فيها "أما بعد فإنه لا كتاب بعد القرآن وإنى متبع ولست بمبتدع.."
    ثم حدثت الأهواء وانتشرت أحاديث منسوبة للنبى أتيح لها أن تكتب منذ القرن الثالث الهجرى كتابة منظمة، وكل منهم يكتب من الأحاديث ما يتصور أنه سنة النبى، وكل منهم يكتب ما يخالف به الآخر، بل ويناقض نفسه أحياناً فى الصفحة الواحدة، علاوة على ما فيها من أحاديث تتناقض صراحة مع الكتاب العزيز وما كان عليه خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام.. ومع ذلك فقد اختلفوا فيما كانوا يكتبون، وعكفوا عليه قروناً من الزمان يختلفون فى هذه الرواية وذلك السند وتلك السلسلة، إلى أن فاجأنا غزو نابليون بونابرت فهرع الشيوخ إلى كتب البخارى يلتمسون منه العون والمدد أمام مدافع الفرنسيين فلم يغن عنهم البخارى شيئاً، بل اقتحم الفرنسيون الأزهر بخيولهم.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!!هل للنبى أحاديث فى عذاب القبر؟
    عذاب القبر وما يحدث فى اليوم الآخر وعلامات الساعة كلها تدخل فى نطاق السمعيات أو الغيبيات.. وهناك قسم كبير من الأحاديث المنسوبة للنبى فى كتب التراث تتحدث عن هذه الغيبيات منها أحديث علامات الساعة وقيامها والمهدى المنتظر وأحوال الآخرة والشفاعة والخروج من النار والمبشرين بالجنة.. كل تلك الأحاديث تدخل فى إطار الغيبيات والسمعيات.. والسؤال الهام الآن: هل قال النبى فعلاً تلك الأحاديث؟..
    إن علماء الأصول يقولون أن أمور السمعيات أو الغيبيات لا تؤخذ إلا من القرآن الكريم والأحاديث المتواترة فقط..
    ونتساءل ما هى الأحاديث المتواترة التى يمكن أن نأخذ منها أمور الغيبيات مأخذ العلم اليقين والتسليم؟
    إن الحديث المتواتر هو الذى يفيد اليقين وليس محلاً للشك أو الظن، وعند أكثرية المحققين مثل الحازمى والشاطبى وأبى حيان والبستى والنووى فإنه لا وجود للحديث المتواتر.
    وبعضهم أثبت أثبت وجود حديث واحد متواتر هو حديث "من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" على اختلاف بينهم فى وجود كلمة "متعمداً" أو حذفها..
    بعضهم ارتفع بالحديث المتواتر إلى ثلاثة أو خمسة.. ولكن ليس من بينها إطلاقاً حديث عن عذاب القبر أو نعيمه، وبالتالى فإن المرجع فى موضوعنا هو القرآن فقط..
    وإذا نحينا الحديث المتواتر جانباً وجدنا أمامنا غير القرآن تلك الألوف المؤلفة من الأحاديث التى يقال عنها أحاديث آحاد والتى تفيد الظن ولا تفيد العلم واليقين، وبالتالى فليست محلاً للاعتماد عليها فى أمور الغيبيات والسمعيات كما قال علماء الأصول.
    ونتساءل: إذن فلماذا نحتاج إلى وجود تلك الأحاديث التى تملأ كتب التراث وهى تتحدث بالظن والتخمين وليس بالعلم واليقين عن قضايا اعتقادية مثل الغيبيات والسمعيات؟.
    كان ذلك مأزقاً شديداً أمام علماء الأصول، وخرجوا منه بأن تلك القضايا الغيبية قضايا خلافية اجتهادية، وكل فريق عزز مذهبه فيها بالأحاديث التى عنده، ولذلك امتلأت كتب الفرق الإسلامية مثل كتاب "مقالات المسلمين" بالاختلافات المتشعبة مع أنهم جميعاً مسلمون.
    ونترك علماء الأصول وآراءهم واجتهاداتهم ونلتفت إلى القرآن الكريم نحاول الإجابة على نفس السؤال: هل تحدث النبى عن عذاب القبر، وبمعنى آخر: هل كان النبى يتحدث عن الغيبيات؟ وبمعنى آخر: هل كان النبى يعلم الغيب ويتحدث فى الغيبيات من واقع علمه بالغيب؟.. إن الإجابة على هذه الأسئلة من القرآن الكريم تستلزم منا أن نضع عناوين للعديد من الآيات التى تؤكد نفس المعنى الذى يحتويه العنوان والتى لا يستطيع المسلم إلا أن يقول لكل آية عبارة واحدة هى "صدق الله العظيم".
    إن تركيز الانتباه على الجسد وإهمال النفس يجعلنا نسئ فهم الموت ويجعلنا على استعداد لتصديق الأساطير عن الموت وعذاب ما يعرف بعذاب القبر..وينطبق نفس الوضع على أساطير وكوابيس عذاب القبر.. فبسبب التركيز على الجسد واعتباره هو ذات الشخص تتقافز أمام عقولهم عفاريت الليل، فذلك الشخص- أى ذلك الجسد- دخل القبر وهو حفرة فى باطن الأرض مظلمة كئيبة، وينام فيها وحده محشوراً محاطاً بعظام وأموات، حيث لا رفيق ولا صديق ولا حبيب..!!
    وحين يضعون ذلك الجسد فى تلك الحفرة لا يعلمون أنهم يضعون ثوباً بالياً كانت فيه النفس وتركته، ولا يعلمون أن الشخص الحقيقى أو الذات الحقيقية للإنسان قد غادرت ذلك الجسد أو تلك السوأة، وأن مصير ذلك الجسد هو العودة للتراب، والصورة المثلى لعودته للتراب أن يكون جزءاً من التراب، أى دفنه فى التراب..
    لا يعلمون ذلك، ويغيب عنهم ذلك..
    ويرون الجثة الميتة هى نفس الشخص بأحاسيسه ومشاعره وذاتيته ويتصورون الشخص العزيز لديهم وقد أصبح أسير حفرة فى باطن الأرض ويتخيلون ما يحدث له فى هذا السجن الضيق الانفرادى الذى يخنق الأنفاس..
    ومن هذا التخيل تولدت حكايات وأساطير وخرافات.. ولذلك تحفل أدبيات التراث بصور أسطورية كثيرة لعذاب القبر فالكافر فى قبره يتعرض لتسعة وتسعين تنيناً ولكل تنين سبعة رؤوس وتلدغه حتى تقوم الساعة، والكافر يضرب بمطارق من حديد وبمرزبة تكفى الضربة منها لإحالة الجبل إلى تراب، والنساء تعلقن من أثدائهن.. والشفاه تقرض بمقارض من حديد.. إلخ هذه الصورة البشعة لعذاب القبر، ولأنها حكايات عن المجهول فقد تلقفها الناس بالشغف والقبول، لأنها تشبع رغبتهم الفضولية فى معرفة ذلك المجهول الذى ينتظرهم.. ولأنه أمر غيبى ومنسوب لله تعالى ورسوله – بزعمهم – فلا بد أن يتلقاه الناس بالقبول والتسليم ولابد أن يصبح ديناً..
    وطالما أصبح ديناً فقد صار له أولياؤه وأصحابه الذين يأخذون من هذه الأساطير مادة خصبة للترغيب والترهيب، فالقبر يتحول إلى روضة من رياض الجنة، أو يتحول إلى حفرة من حفر النار، ثم لا يلبث أن يتحول ذلك الدين الأرضى إلى مجالات التجارة والارتزاق والاستخدام السياسى.
    فإذا كنت تريد أن يتحول قبرك إلى فندق خمس نجوم فتبرع يا أخى بكذا.. وإلا فإن الثعبان الأقرع فى انتظارك!!
    ومنذ العصر الأموي استحدث بنو أمية وظيفة الراوي في المسجد أو من كان يسمى بالقصاص ـ بثشديد الصاد ـ ، وكان يجلس فى المسجد بعد الصلاة للدفاع عن السلطة الأموية وتبرير فظائعهاولكن بصورة غير مباشرة وتحت ستار الوعظ . لذا كان منهج صاحب القصص أن يجذب إليه عقول السامعين بالأساطير والحكايات , وكلما توغل في الكذب ازدادت جماهيريته وازداد تأثيره..ولقد كان العصر الأموى عصر الروايات الشفهية التى تم تدوينها فيما بعد فى العصر العباسى منسوبة للنبى بعد ان دخل فيها الكثير من التحريف والتخريف . دونهاكثيرون أبرزهم "ابن برزويه " صاحب الانتماء المزدكى والأصل المجوسى، وهو المشهور بيننا بلقب البخارى المتوفى سنة 256.
    كانت خرافات الترهيب وعذاب القبر المادة المفضلة للقصاص فى العصر الأموى، ثم جاء الفقيه " الأوزعى " الذي عاصر الخلافتين الأموية والعباسبة وخدمهما معاً ، وكان من أشهر القصاص في الدولتين ، وهو الذي اخترع حد الردة وهو أيضاً المصدر الأساسي لخرافات عذاب القبر ، وتحولت معظم أقاصيصه إلى مروايات وأحاديث يعززها بأن لها جذوراً فرعونية في عقول الناس من آلاف السنين.
    ان بعض أنواع الماعز تعتقد أن الشيطان قد قدم استقالته بعد ظهور الاسلام وبعد موت خاتم الأنبياء وأن اهل البلاد المفتوحة قد دخلوا فى الاسلام أفواجا دفعة واحدة وبايمان عميق لا مجال للشك فيه ، وأنه حتى الآن فايمان أحفادهم المسلمين اليوم هوالتطبيق الحرفى المخلص للاسلام الذى كان عليه خاتم النبيين عليهم جميعا السلام. ولذلك تستهجن تلك الماعز أى دعوة لاصلاح المسلمين وتهاجم كل من حاول الاصلاح لأن الذى يجب اصلاحهم ودعوتهم للهداية هم الذين لم تبلغهم الدعوة فى مجاهل أفريقيا وأحراش الغابات الاستوائية والصحارى القطبية . وأنواع أخرى من الذئاب ترى أن الهدف الأسمى هو أن يخضع المسلمون لحكمهم طوعا او كرها لأقامة دولة الخلافة التى تعيد مجد السلف وتواصل الجهاد ضد دار الحرب الصليبية الى قيام
    الساعة.
    وبذلك أصبح واضحاً أنه يراد بنا أن نعود ليس للجانب المتعقل من التراث بل أن نعود إلى أكثر أنواع التراث تخلفاً وتشدداً أو نواجه العالم فى القرن الحادى والعشرين بذلك التراث المتخلف على أنه هو الإسلام، والنتيجة أن العالم يقفز إلى عصر المعلومات ويتقدم فى كل ثانية إلى الأمام، ونحن نتراجع إلى خرافات العصور الوسطى والثعبان الأقرع.. وهذا هو ما يراد بنا.

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 1:50 pm