الدكتور احمد سرحان Dr-Ahmed Sarhan

دنيا الثقافة وعالم الابداع


    تطور السينما العالمية جزء (2)

    شاطر

    تطور السينما العالمية جزء (2)

    مُساهمة من طرف Admin في الجمعة فبراير 20, 2009 11:15 am

    انتقال السينما من المرحلة التسجيلية إلى المرحلة الروائية أو القصصية :

    وهنا يأتي دور أحد أشهر الشخصيات السينمائية على الإطلاق .. وهو الأسطورة الفرنسية ( جورج ميليه – Georges Méliès ) ( 1861 – 1938 ) ..
    فعندما عرض الأخوين لوميير أفلامهما في مقهى ( جراند كافييه ) في عام 1895 لأول مرة .. أحدث ثورة عارمة بين جموع الناس التي احتشدت لتشاهد هذا النوع الجديد من التصوير المتحرك .. وكان من ضمن الذين استحوذت عليهم الفكرة وأخذت بزمام عقولهم هذه الثورة الفرنسي جورج ميليه .. الذي كان حاضرا حينها ولم يصدق نفسه حينما شاهد فيلمهما الذي لا يتعدى الدقيقتان .. إلا أنه كان كافيا ليحرك في نفسه رغبة جامحة لتحقيق شيء من وراء هذه الثورة ..
    وبعد أن اكتفى بافتتاح دار سينمائية هي الأولى في التاريخ ليعرض فيها أفلام أديسون وديكسون وأفلام الأخوين لوميير .. حاول أن يصور فيلمه الأول بنفسه .. وبعد محاولات جادة تمكن في عام 1896 من تصوير أول أفلامه .. وتوالت من بعده المحاولات إلا أنها لم تكن ذات نسق مختلف عن سائر الأفلام التي سبقته .. حيث الاعتماد على أسلوب التسجيل الواقعي والابتعاد عن وضع فكرة محددة في الفيلم ..
    وتوالت من بعدها أفلامه التي ظل في كل واحد منها يزيد من حِدَّة اختلافه وتفرد نوعية أفلامه عن غيره .. فتمكن من وضع صورة عامة عن ما يسمى بـ ( المونتاج ) بأبسط أشكاله في فيلمه ( السيدة المختفية ) .. وبعدها استطاع أن يخلق نوعا من الصورة الطاغية الجمال ( بناء على ذلك الوقت ) في فيلمه الشهير ( سندريلا ) .. إلى أن وصل إلى تحفته الشهيرة (A Trip To The Moon – رحلة إلى القمر ) في عام 1902 .. وفيه استطاع أن يصوغ جميع أفكاره التي ظهرت في أفلامه السابقة وأن يبلورها في فيلمه هذا .. ليتمكن من خلق صورة سينمائية معتمدا على أسلوب العرض المسرحي .. فقد استفاد ميليه من تجربته الغنية بالمسرح المليء بالحيل البصرية وخداعهاوالمؤثرات الصوتية .. واستفاد من اكتشافاته الخاصة في التصوير السينمائي والتصويرالفوتوغرافي واللعب في تركيب الصور وإعطائها صورة أخرى بمزيج من الابتكار فيالمونتاج ..
    استطاع ميليه أن يكشف السر العظيم في آلة التصوير السينمائي .. فهو أول من قدم سينما ذات طابع روائي .. كما أنه أول من قدمها لتكون محل المتعة والفرجة .. كما أنه أول من أخرج .. وهو من بنا أول أستوديو .. وكتب أول سيناريو .. ورسم أول ديكور .. كما ساعدته المصادفة في أكثر من مرة لأن يقدم أول الخدع السينمائية .. ولذلك فقد استحق لقب الأسطورة ..

    ونجد في ذات الوقت أحد أهم السينمائيين الذين عاصروا هذه الفترة .. وهو المصور ( إدون بورتر – Edwin S. Porter ) ( 1870 – 1941 ) .. حيث قدم أفلاما تسجيلية كثيرة أولها في عام 1898 .. إلا أن تأثره بما قدمه جورج ميليه في فيلمه A Trip To The Moon قاده في عام 1903 ليخرج أحد أهم الأفلام التي ساهمت في وضع الأسس السينمائية العامة .. وهو فيلم The Great Train Robbery الذي خطى فيه بورتر خطوته الأولى نحو المساهمة في خلق فن سينمائي حقيقي ذو عناصر سينمائية محددة تماما كما فعل ميليه من قبله .. وهذه العناصر السينمائية استطاعت أن تحافظ على ذاتيتها فيما بعد إلا أنها وجدت التهذيب والصقل والتطوير .. ولكنها بقيت محددة المعالم وذات أصالة فعليه تجدها ظاهرة بوضوح في صنعة الأفلام السينمائية .. ولعله تفوق على ميليه في تدعيمه للجانب السينمائي بشكل أكبر بينما اكتفى ميليه بتشكيل السينما بناء على العناصر والأدوات المسرحية .. حيث اتضح في فيلمه الآنف الذكر تركيزه على عناصر الفيلم السينمائي كالحبكة والتصوير الاحترافي وابتكاره للمونتاج عبر تنقله بين المشاهد والأشخاص ..

    ولعل أول مساهمة فعلية في التهذيب أو التطوير لهذه المبادئ السينمائية التي خلقها ميليه وصقلها بورتر .. قد أتت من شخصية سينمائية أسطورية تماثل أهميتها أهمية سابقيها .. وهو المخرج والكاتب السينمائي الأمريكي ( ديفيد جريفيث – David Griffith ) ( 1875 – 1948 ) ..
    ظهرت الرؤية التطويرية التي يمتلكها جريفيث تحديدا منذ فيلمه ذو الثمانية دقائق ( The Lonely Villa ) .. عندما ابتكر فيه وبعبقرية فذة ما يسمى بـ ( المونتاج المتوازي ) الذي أصبح أنموذجا حيا في أفلام الإثارة .. وهو الجمع بين حدثان يحدثان في ذات الوقت بغرض زيادة الإثارة والترقب .. كأن يكون هنالك سارق في وسط المنزل يحتجز الرهائن والبطل في الخارج يحاول فتح الباب لإنقاذهم .. وقد سميت هذه الحيلة باسم ( طريقة جريفيث للإنقاذ في آخر لحظة ) ..
    ورغم أن الظهور الأوضح للمونتاج كان على يد بورتر في فيلمه The Great Train Robbery حينما ابتكر ما يسمى بـ ( المونتاج المتباين ) وهو تصوير الحدثين في نفس الوقت .. إلا أن جريفيث ساهم في تطوير الصورة والصيغة العامة للمونتاج في أفلامه القادمة ..
    كما ابتكر في مجموعة من أفلامه الكثير من الخصائص التي أصبحت أمورا أساسية في الفيلم السينمائي .. كحركة الكاميرا التي لم تكن متواجدة قبله والاستفادة المثلى من الإضاءة واستخدام المونتاج بالشكل والأسلوب السليم ..
    كما أنه استطاع أن يخلق لغة سينمائية تمكنه من إيضاح ما يريد إيصاله بدون أن يضطر إلى كتابته على الشاشة كما كان شائعا في الأفلام الصامتة حينها .. وذلك عبر خلقه لنوع من الدلالة الفهمية التي يستطيع أن يحصل عليها المشاهد حال متابعته لأحداث الفيلم ..
    إلا أن العظمة الكبرى التي انفرد بها جريفيث كانت عبر تحفته الشهيرة التي أخرجها في عام 1915 (The Birth of a Nation – مولد أمَّة ) والتي استفاد فيها من جميع تلك الخصائص والمميزات التي ابتكرها في أفلامه القصيرة السابقة واستطاع أن يدمجها ليخرج فيلما هو أول فيلم روائي طويل أمريكي .. حيث كان يتكون من 1375 لقطة تتراوح ما بين اللقطات الطويلة واللقطات القصيرة ..
    لقد ابتكر جريفيث في هذا الفيلم المفهوم العام لكلمة ( المخرج ) .. حيث كان أولائك المهتمون بتصوير الأفلام قبل ظهوره هم مجموعة من المصورين الذي لا يتحكمون بسياق الأحداث وبفرض الأسلوب أو تطويع القصة .. بل كانت الأفلام التسجيلية القصيرة عبارة عن ما يشبه ( العملية الميكانيكية المجردة من أي فكرة أو فن ) .. وهذا الشيء لا ينفي بالضرورة الفتح العظيم للسينما الذي جاء على يد جورج ميليه ومن بعده إدون بورتر حيث نقلوا السينما من صيغتها التسجيلية ( الواقعية ) إلى صيغتها الروائية ( الانطباعية ) ..
    إلا أن هذا الفتح كان مقتصرا على هذا التحويل المصحوب بتدعيم العناصر الأساسية للفيلم السينمائي .. ولكنه كان خاليا من الحس الإخراجي الذي يعتمد على تحكم المخرج في عناصره الفنية والتقنية وفرضه لأسلوبه وتطويعه للقصة المطروحة وأحداثها ..
    وقد لا يكون فيلم غريفيث هذا ( مولد أمة ) هو أول من فيلم روائي طويل ( وهو خطأ يقع فيه كثير من الكتاب ) .. على اعتبار أن هذه النسبة قد اختلفت مرجعيتها ما بين أفلام عديدة لعل أشهرها الفيلم الإيطالي (Cabiria ) في عام 1914 لمخرجه Giovanni Pastrone .. حيث بلغت مدته الزمنية ما يقارب 162 دقيقه في نسخته التي جُمعت في هذا العام 2006 ( والتي ستخرج قريبا على أقراص ديفيدي ) .. ومن الظلم بمكان أن نبخس حق الأسبقية لهذا الفيلم .. فرغم أنه – حسب أقوال النقاد – لم يتميز بخلق لغة سينمائية ذات عناصر واضحة كما نرى في فيلم ( مولد أمة ) إلا أنه تمكن من أن يكون كأول فيلم روائي طويل قد تم إنتاجه ..
    وفي العام الذي يليه 1916 عاود جريفيث إبهاره لجموع الناس عبر فيلمه ( Intolerance – التعصٌّب ) الذي يماثل فيلمه الآخر ( مولد أمة ) في عظمته وضخامته .. ويقدم فيه جريفيث ( وبشكل متوازي أربعة أمثلة للتعصب .. تجمعها وحدة الموضوع .. وهي التعصب في بابل القديمة .. وآلام المسيح .. ومذابح البروتستانت في القرن السادس عشر في فرنسا .. وأخيرا التعصب في أمريكا ) .. ومن العبقرية كيفية دمجه لهذه المحاور الأربعة التي تجمعها وحدة الموضوع .. في وقت يدل على تعددية التفكير لدى هذا الرجل ورغبته في وضع أُطُر جديدة للقصة السينمائية .

    بعد غريفيث يبرز اسم أحد أشهر الأسماء التي واكبت ظهور السينما الروائية الطويلة وهو المخرج الفرنسي ( Louis Feuillade – لويس فويلاد ) ( 1873 – 1925 ) .. وهو أحد صناع السينما الفرنسية وأكبر رجالاتها الذين أصبح لويس يأتي في مقدمتهم ..
    قدم أول أفلامه في عام 1910 عبر فيلمه ( التجميل ) الذي لاقى فشلا تجاريا ذريعا .. إلا أن ذلك لم يثبط من همته بل استجمع قوته إلى أن قدم فيلمه ( حاجب عالي ) الذي أصبح أحد أشهر الأفلام الفرنسية في ذلك الوقت .. كما قدم فيما بعد فيلمه “هي كما هي ” في عام 1911 .. ( حيث تطور فيه عمله السينمائي إلى رؤية أكثر واقعيةليصبح أكثر ميلودرامية في تصوير الحياة المعاصرة ) .. وظل يقدم الأفلام التي تتراوح مدتها ما بين القصيرة إلى المتوسطة .. وفي عام 1915 ( أي في نفس العام الذي أخرج فيه غريفيث فيلمه ” مولد أمة ” ) .. قدم لويس تحفته الشهيرة والتي أصبحت فيما بعد أحد رموز السينما الفرنسية الصامتة وهو فيلم ( Vampires – مصاصوا الدماء ) .. والذي يتحدث فيه ( عن عصابة مجرمة يرأسها شخص يدعى ” موسيدورا ” .. وقد لوحظ استعماله الخصب و الخيالي للمواقعوالغنائية بأسلوب سريالي تقريبا ) .. هذا الفيلم وكما قلت أصبح علامة فارقة في تاريخ السينما الفرنسية .. حتى أن المؤرخ السينمائي الفرنسي الشهير جورج سادول قال عنه ( أحد أهم الأفلام في تاريخ السينما الفرنسية ) .. هذه الأهمية لا تكمن في كونه استطاع أن يغير به طبيعة الأفلام في تلك الفترة وأن يخلق ما تمكن من خلقه غريفيث في فيلمه ( مولد أمة ) .. بل تأتي هذه العظمة في كونه الأول الذي تمكن من إخراج السينما الفرنسية من دوامة الأفلام القصيرة ذات الأسلوب الروائي المتذبذب إلى سينما ذات عرض طويل وقصة مترابطة وأحداث متفرعة وعناصر سينمائية بحتة .. حتى ان الناقد إد جونزاليز شبهه في ثوريته بفيلم جورج ميليه A Trip To The Moon !!
    وهذه الأهمية تحولت وبشكل غريب لتشمل الجمهور كذلك .. ففي استفتاء عملته مجلة تايم الأمريكية الشهيرة لأفضل الأفلام .. كانت الدهشة كبيرة حينما احتل فيلم ( مصاصوا الدماء ) المرتبة الثانية متفوقا على كثير من الأفلام الشهيرة والرائجة بين الجمهور !!..
    وبعد فيمه هذا ( مصاصو الدماء ) .. قدم لويس فيلمه الشهير ( جوديكس ) في عام 1917 .. وبعده بدأت رياح التغيير تهب عليه .. فبدأ بالتراجع رويدا رويدا حتى وفاته في عام 1925 ..

    وبعد ذلك .. بدأت ملامح السينما تتبلور شيئا فشيئا مع مرور الزمن وتعدد السينمائيين الذين ساهموا في وضع أسسها الفنية والخروج بها نحو صيغة سينمائية مباشرة وذات عناصر محددة .. لتأتي من بعدها الفترة الزمنية المسماة بـ ( السينما الصامتة ).

      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء أكتوبر 17, 2017 1:39 pm